ابن ميثم البحراني

177

شرح نهج البلاغة

إلى ذلك كقوله تعالى « يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ » ( 1 ) ومعلوم أنّ الإعادة إنّما تكون بعد العدم ، وقوله « إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ » ( 2 ) وأمثالها . وقد أجمعت الأنبياء على ذلك ، وعلم التصريح من دين محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بأنّه سيكون ، وهو الَّذي عليه جمهور المتكلَّمين والخلاف في جواز خراب العالم مع الحكماء فإنّهم اتّفقوا على أنّ الأجرام العلويّة والعقول والنفوس الملكيّة ، وكذلك هيولى العالم العنصريّ وأجرام العناصر ، وما ثبت قدمه امتنع عدمه لا لذاته بل لدوام علَّة وجوده ، وما عدا ذلك فهو حادث وليس كلَّه ممّا يعاد بالاتّفاق ، بل الخلاف في المعاد الإنساني البدني فأنكره بعضهم . والإسلاميّون منهم قالوا : ليس للعقل في الحكم بوجوده أولا وجوده محال ، بل إنّما يعلم بالسمع . هذا مع اتّفاقهم على القول بامتناع إعادة المعدوم . فإن أمكن الجمع بين القول بجواز المعاد الجسمانيّ مع القول بامتناع إعادة المعدوم فليكن على ما ذهب إليه أبو الحسين البصريّ من المعتزلة وهو قوله : إنّ الأجزاء يتشذّب ويتفرّق بحيث يخرج عن حدّ الانتفاع بها ولا تدخل في العدم الصرف . لكن في ذلك نظر لأنّ بدن زيد مثلا ليس عبارة عن تلك الأجزاء المتشذّبة والمتفرّقة فقط فإنّ القول بذلك مكابرة للعقل بل عنها مع سائر الأعراض والتأليفات المخصوصة والأوضاع فإذا شذب البدن وتفرّق فلا بدّ أن يعدم تلك الأعراض وتفنى وحينئذ يلزم فناء البدن من حيث هو ذلك البدن فعند الإعادة إن أعيد بعينه وجب إعادة تلك الأعراض بعينها فلزمت إعادة المعدوم ، وإن لم يعد بعينه عاد غيره فيكون الثواب والعقاب على غيره وذلك مكذّب للقرآن الكريم في قوله « قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبًّا » ( 3 ) اللهمّ إلَّا أن يقال : إنّ الإنسان المثاب والمعاقب إنّما هو النفس الناطقة وهذا البدن كالآلة فإذا عدم لم يلزم عوده بعينه بل جاز عود مثله . لكن هذا إنّما يستقيم على مذهب الحكماء القائلين بالنفس الناطقة ، وأمّا على رأى أبى الحسين البصريّ

--> ( 1 ) 21 - 104 . ( 2 ) 82 - 2 . ( 3 ) 6 - 164 .